كل محاولة لمنع إحياء ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، ستمس بنا جميعًا، وستمس أيضا بالأسس الديمقراطية، حيث أن الديمقراطية يجب أن تضمن حقوق الأقلية القومية، وللمواطنين الفلسطينيين حق بتعلم تاريخهم والتعبير عن هويتهم وذاكرتهم الجماعية
القنوات التلفزيونية التجارية تلعب دورا مركزيا بتأجيج الروح القبلية الإسرائيلية، ولا نجدها كل يوم تخرج في مضامينها عن لبّ الإجماع، ولكن ذلك حصل البارحة.
في السنتين الأخيرتين شنّت الحكومة الإسرائيلية حربًا ضروسًا ضد النكبة: ” الأمر الأول الذي سنقوم به هو إخراج النكبة“، صرّح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بعد انتخابه بقليل، في إشارة منه لمناهج التعليم في المدارس.
ولم يكن رئيس الحكومة الوحيد – إنما يتضح أيضًا أن الكثير من الإسرائيليين يعتبرون “النكبة” كلمة قاسية، مخيفة وتقريبًا محرّمة، حتى وصل الأمر ببعض أعضاء الكنيست في الأشهر الأخيرة بالمبادرة لاقتراح قانون هدفه كتم رواية النكبة. فحسب القانون سيكون إحياء ذكرى النكبة بشكل جماعي ممنوعًا وسيتم منع كل جسم يتلقى الدعم من قبل الدولة بتمويل أي نشاط يتعلق بإحياء ذكرى النكبة.
ولكن النكبة حقيقة.
20% من مواطني الدولة يرونها قائمة طوال الوقت، في كل لحظة، هي جزء من هويتهم، ومن روايتهم التاريخية ومن ماضيهم – إذ أنّهم يعتبرون استقلال دولة اسرائيل مرتبط بمأساة الشعب الفلسطيني- ويرون النكبة كذلك جزءا من حاضرهم ومستقبلهم.
النكبة هي جزء من حكاية هذه البلاد، حيال جميع المواطنين في الدولة، اليهود والعرب. هي جزء من تاريخ هذه البلاد ومن تاريخ الأشخاص الذين عاشوا فيها. ومع العلم أنه جرى نقاش حاد بين الكثير من المؤرخين وبين المواطنين العاديين أيضًا حول الحقائق العديدة المرتبطة بالإحداث التي جرت في عام 1948، ومهما كانت المواقف والاستنتاجات حول هذا الجدل، من غير الممكن تجاهل حقيقة أن النكبة هي مركّب أساسي، تراجيدي وذو دور ببلورة وعي قسم كبير من سكان الدولة، والاعتراف بها يضمن الفرصة للتفاهم وللحوار والتعايش.
وعليه، فإن كل محاولة لمنع إحياء ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني، ستمس بنا جميعًا، وستمس أيضا بالأسس الديمقراطية، حيث أن الديمقراطية يجب أن تضمن حقوق الأقلية القومية، وللمواطنين الفلسطينيين حق بتعلم تاريخهم والتعبير عن هويتهم وذاكرتهم الجماعية. وفي نفس الوقت من واجب الدولة الحفاظ على هذه الحقوق وعليها احتواء الأقلية الفلسطينية- بلغتها، وثقافتها وروايتها القومية، حتى وإن كانت لا تتفق بتاتًا مع الرواية التي تعتمدها الأكثرية.
في الأمس وصلت النكبة الى القنال الثانية، في حلقة غير ترفيهية البتة من مسلسل ” شغل عرب” من تأليف الكاتب سيد قشوع. الحلقة تتيح النظر من زاوية مختلفة بعض الشيء- زاوية لم نرها في وسائل الاعلام سابقًا- عن يوم الإستقلال، عن النكبة وعن العلاقة بينهما. هناك نجد تقريباً كافة الشعارات والرموز المعروفة لنا جميعًا، الصفارة، الطقوس، التاريخ، حتى “أغنية رعوت” – ولكن كل ذلك جاء ضمن محاولة لقصّ حكاية أخرى تعكس رؤية جميع مواطني الدولة وليس بعضهم فقط.
ودون الخوض بأي نقاش حول الجودة التلفزيونية التي حظيت بها الحلقة، أو لمدى الاتفاق أو الاختلاف مع قدرة النصّ على التعبير عن خواطر المواطنين الفلسطينيين في اسرائيل وعن مشاعرهم الحقيقية والواقعية تجاه النكبة أو حتى عن تعاملهم مع طقوس “يوم الاستقلال”، لا يمكننا التغاضي عن أهمية هذه الحلقة بكسر طابو معين في التلفزيون الإسرائيلي وعند المشاهدين الإسرائيليين. وقد تكمن أهميتها أيضا بكونها تقول لهذا الجمهور علانية أن المصطلح ” نكبة” ليس تحريضًا، ولا يهدد أمن الدولة، إنما هو جزء من أنفسكم ومن حياتكم اليومية. وحتى في القنال الثانية.
للمزيد حول النكبة- في فصل التربية والتعليم في مشروع ” ديمقراطية”
للمقالة النقدية في جريدة هآرتس

