إلا أن هذه الثروة الفكرية والبشرية غالبا ما لا تصل إلى غرفة الجلسات في الطابق الـ 28 من البرج، الذي تقام فيه لجان الطاعة. هم في قمة البرج غالبا ما لم يسمعوا عن الحق بعملية عادلة، وبعلنية الجلسات التي تدرّس في قاعات كلية القانون في الاسفل
ايتمار شاحر يكتب عن تجربته الشخصية في لجان الطاعة بجامعة حيفا وعن البرج العاجي الذي يجلس به من يحاسب الطلبة على نشاطهم السياسي المنافي لمنطق القطيع الذي يعيشه المجتمع الإسرائيلي في كل ما يخص القضايا السياسية والامنية، هذا البرج العاجي المفصول كليا عن أسس الديمقراطية والحقوق الاساسية للطالب، يكتب عن تقوقع الجامعة بالانجازات العلمية والبحثية المنقطعة عن الواقع والحياة الحقيقية في الشارع
*إيتمار شاحر
كثر ممن لا يعرفون جامعة حيفا يكونون واثقين أن دروسا مثيرة وجدالات أكاديمية عاصفة تدور في أروقة برج الجامعة القائم في أعالي جبل الكرمل والبارز للعيان من أبعاد كبيرة. لكن الدروس تقام في الحقيقة في المباني المتناثرة عند أسفل هذا البرج والطلاب لا يجدون أنفسهم في واحد من طوابق هذا البرج إلا في أحيان متباعدة نسبيا. أما بالنسبة إلي فإن هذا البرج الشهير يبقى في الذاكرة بالذات بسبب سلسلة الجلسات التي أصرت سلطة الطاعة في الجامعة على اقامتها بشأني وبشأن الكثيرين من رفاقي- لجان الطاعة التي تقام بشكل تقليدي في الطابق قبل الأخير من البرج.
أحد الأماكن الأكثر أهمية من البرج هو ساحة العشب الأخضر القائمة في أسفله. هنالك يختلط الطلاب والمحاضرون، اليهود والعرب، يتحدث الواحد منهم مع الآخر، يتبادلون الأفكار، بل وأحيانا يفكرون بأمور من المجدي القيام بها معا من أجل ايقاف ظواهر بشعة تتفشى في مجتمعنا، كالعنصرية والاستغلال (وهي غير غائبة أيضا عن الحرم نفسه).
بلا ثروة فكرية
إلا أن هذه الثروة الفكرية والبشرية غالبا ما لا تصل إلى غرفة الجلسات في الطابق الـ 28 من البرج، الذي تقام فيه لجان الطاعة. هم في قمة البرج غالبا ما لم يسمعوا عن الحق بعملية عادلة، وبعلنية الجلسات التي تدرّس في قاعات كلية القانون في الاسفل. كما آثروا تجاهل النظريات الليبرالية التي تدرّس في الحصص التمهيدية للعلوم السياسية أو من النقاشات الأكثر راديكالية في حصص العلوم الاجتماعية عن استساخ علاقات القوة الاجتماعية في العمليات المؤسساتية كالتشريع والمحاكمة. في لجان الطاعة التي التأمت في الطابق الـ 28 لم يهتموا إلا بأمر واحد: ألا تقض أصوات وفعاليات الطلاب -الذين يطالبون بعدم الاكتفاء بالأبحاث النظرية بما يدور في العالم إنما بالعمل من أجل تغييره- مضاجع رئيس الجامعة، عميد الطلبة، وبقية أعضاء إدارة الجامعة أو من يحمل لقب “المسؤول عن الأمن”.
قبل ست سنوات، عندما جلست على “مقعد المتهمين” في نفس القاعة، لم يكن أي واحد من الجالسين في الاطراف الأخرى من طاولة الجلسات يدرك حقيقةً لماذا كان من المهم لي ولرفاقي في خلية الجبهة الطلابية أن نعلق منشورا في الجامعة احتجاجا على تصريحات القائد اليميني العنصري، موشيه فايجلن، الذي دعي للحديث في الحرم الجامعي. لم يتأثر أي منهم من أن نشطاء يهودا وعربا أقاموا تظاهرة صامتة إحياء لذكرى قتلى أكتوبر 2000، وفي هذه الحال أيضا كان الرد بتقديمنا إلى محاكمة الطاعة. يجب التنويه بأنه في حالات عدة، وفي حالتي أنا أيضا، تمكّنا من اقناع لجنة الطاعة بادعاءات تقنية وغيرها بأنه لا حجة لمعاقبتنا وهذا ما كان بالأساس بفضل المهارة القضائية وإخلاص أناس أعزاء أمثال المحامية آرنا كوهين والمحامي تامر مصالحة، ولكن بما لا يقل أهمية عن الادعاءات القانونية، أعتقد أن العامل الحاسم بانقاذ ألقابنا الأكاديمية من الإبعاد القسري كان الدمج ما بين الضغط الجماهيري غير البطال وبين الاصرار على علنية الجلسة.
الهدف: الردع
لكن حتى محاميا بارعا وضغطا جماهيريا مكثفا أيضا سيواجهان صعوبة في هزيمة الأثر الجوهري حقا للجان الطاعة هذه: زرع المخاوف بين الطلاب والميل إلى الامتناع عن المشاركة بما يحدث حولهم. من الطابق الـ 28 تصل رسالة مباشرة إلى الطلاب في الأسفل، في الباحة المركزية للحرم: مُرّوا بسرعة من الباحة في طريقكم إلى الحصة القادمة. وإن كان معكم بعض الوقت بالصدفة فمن المفضل أن تتوقفوا في المعرض التجاري (وهو واحد من أكبر الأشياء التي تستطيع تنظيمها نقابة الطلاب الحيفاوية)، وهناك ستتمكنون من فتح حساب بنك جديد أو التفكير أين ستقيمون حفل زواجكم. لمصلحتكم الشخصية من المفضل أن تهتموا بهذه الأمور وليس بالطالب الذي يوزع منشورا على يمينكم أو بالطالبة التي تنظم نشاطا احتجاجيا على يساركم. إن كنت بالصدفة من الـ 25%، من الطلاب العرب الذين يتعلمون في الحرم الجامعي فإن التحذير يكون مزدوجا، حيث أن الجسم الوحيد في الحرم الجامعي الذي يحظى به الطلاب العرب بتمثيل فوق المنصف هو لجان الطاعة، فهناك يكون 80% من الطلاب المحاكمين من الطلاب العرب. هذا على ما يبدو واحد من انواع العلوم الأساسية التي تنجح جامعة حيفا بإكسابها لطلابها، وغرسها لديهم عندما يخرجون إلى الحياة الحقيقية أيضا. هذا هو الشكل الآخذ بالإتساع لدى المجتمع الإسرائيلي عمومًا: الطاقة الكامنة بالتنوع والتجديد تتخذ منذ فترة طويلة مسارات مرتبة بشكل ناجع لئلا تزعج الجالسين في أعالي الأبراج المختلفة. وأما من ينحرفون عن المسار بشكل كبير فإنهم يمثُلون أمام لجنة الطاعة الجامعية، المحكمة، أو أمام محكمة زفولون أورليف، بهدف الإيضاح للبقية أنه من الأفضل لهم الاستمرار بالسير في التلم.
الكاتب هو طالب للقب الثاني بموضوع العلوم الاجتماعية والعلوم الانسانية

