سلمان ناطور: حكاية لم تنته بعد

نشر بواسطة طاقم الموقع في تاريخ أكتوبر 31, 2010 in المدوّنة, بقعة ضوء, حرّيّة التعبير، والاحتجاج والنشاط السياسيّ | لا يوجد تعليقات

سلمان ناطور: حكاية لم تنته بعد

ما أقرب اليوم للأمس، الحاضر المثخن بالفاشية والعنصرية والأمس الذي لا يزال يعصف بيمينيته وسياسة القمع والترهيب والاضطهاد، فها نحن بعد 54 عاما على مجزرة كفر قاسم نشهد استفزاز قوى اليمين المتطرف في أم الفحم تحت مظلة الشرطة والدولة، نشهد انتهاك حقوق المتظاهرين والمتظاهرات والاعتداء عليهم، نشهد سنّ القوانين العنصرية الواحد تلو الاخر.
الفاشية أصبحت هنا. تأكل قيم الديمقراطية المتبقية في المجتمع الاسرائيلي بشراسة، لتدحرجنا جميعًا معه نحو مستنقع تكون العودة منه صعبة.

فيما يلي الكاتب سلمان ناطور في قراءة له للتاريخ من العام 1985: هذه هي (اللعبة الديمقراطية) في هذا النظام، تحت حماية هذه الديمقراطية يستطيع مثل هؤلاء أن يحكموا، وأن يكونوا وزراء وأعضاء برلمان، ويحاولون مساواة المجرم مع الضحية لان هناك من يبحث عن موازنة ليكمل أصول اللعبة

في العاشر من شباط 1983 ألقيت قنبلة على مظاهرة سلام الان، فسقط الشاب إميل غرينتسفايغ، دوي الإنفجار والجريمة هزّ أعماق الرأي العام الاسرائيلي، القي القبض على الشاب الذي ألقى القنبلة، وحكم عليه بالسجن المؤبد، وقبل أيام حين دعت حركة السلام الان الى اجتماع تأبيني في ذكرى مرور عامين على مصرع إميل غرينتسفايغ، رفض رئيس الحكومة الاشتراك، ورفض رئيس الكنيست الاشتراك أيضًا في احياء هذه الذكرى.

قبل عامين، كان هناك شبه إجماع في الرأي العام الإسرائيلي، أن هذا الشاب لم يكن ضحية عمل إجرامي قام به إنسان مهووس ومجنون. ولم يكن نتيجة لخطأ في توجيه القنبلة، كان شبه إجماع أنه سقط ضحية الفاشية وضحية العنصرية وضحية التحريض الدموي على العرب، وعلى قوى السلام في هذه البلاد. وكان هناك من أشار الى القاتل الحقيقي، ذكرت أسماء وزراء ورؤساء حكومات وجنرالات في الجيش وحكام عسكريين، ومنظرين وحتى كتاب وشعراء ولم يقدم أي واحد منهم الى المحاكمة بتهمة ارتكاب الجريمة.

حين أصدرت المحكمة حكمها المؤبد على حامل القنبلة، برأت ذمة هؤلاء القتلة، هذه هي (اللعبة الديمقراطية) في هذا النظام، تحت حماية هذه الديمقراطية يستطيع مثل هؤلاء أن يحكموا، وأن يكونوا وزراء وأعضاء برلمان، ويحاولون مساواة المجرم مع الضحية لان هناك من يبحث عن موازنة ليكمل أصول اللعبة، هذه التي يسجل لصالحها انها خلقت أجيالًا من أبناء هذا المجتمع ممن يصدقون بسذاجة رهيبة، ان حكام هذه البلاد بريئون من دم إميل غرينتسفايغ ، وليس من دمه ولحمه وحده، انه جيل يعرف كيف ينسى وكيف يطوف على شبر ماء، وكيف يهرب من المسؤولية، فحيث تصبح كلمة (يساري، وعقلاني، وواقعي، وتقدمي) هي كلمات محاربة في هذا المجتمع تجد حتى بين اولئك من يطوّر اساليب دفاع لكي لا يتهم ( بالخيانة والانحراف والطعن من الخلف). والثمن الذي يدفعه هو انه يسمح باطلاق سراح القاتل الحقيقي، ولا يقدمه للمحاكمة، بينما يصب كل غضبه على الذي حمل القنبلة وألقى بها، وهو وإن كان مجرمًا وقاتلا، لكنه هو في الوقت نفسه ضحية هذه السياسة، وأولئك الذين دفعوه لارتكاب الجريمة.

لم يكن غرينتسفايغ هو اول ضحية، ولن يكون اخر ضحية. فقط سقط على أرضية معينة، لم تتغير هذه الأرضية، أرضية الازمة السياسية والازمة الاقتصادية، والازمة الاجتماعية، والاحتلال، والتحريض العنصري والفاشية وسياسة الحرب والتوسع. كل هذه المركبات ما زالت قائمة، وليس هناك ما يضمن اذا استمرت الا يسقط غيره في المستقبل القريب أو البعيد، او المستقبلين معا. فاذا كانت هنا اكثرية تعتقد ان ما حدث في دير ياسين وغيرها هو مجرد جريمة قام بها افراد معينون او تنظيم ارهابي معين، يتحمل وحده المسؤولية  ولا يتحملها كل اولئك الذين خططوا لتشريد شعب غن وطنه، واذا كان هناك اكثرية تعتقد ان هؤلاء المخططين والمنفذين يغسلون ضمائرهم بقرش شدمي سفاح مجزرة كفر قاسم، اذا كان هذا الواقع، وسيستمر في المستقبل القريب والبعيد، فمن يستطيع أن يضمن الا تتكرر الجريمة.

قبل عامين نشرت الصحف الاسرائيلية بعض الحقائق عمّا ارتكبته الفرقة 101 في الخمسينات، والتي أسسها وقادها شارون، هذه الفرقة وما قامت به من جرائم، كانت هي رصيد شارون، بالترقي في سلم المسؤوليات الاسرائيلية، أصبح جنرالا كبيرا بعد أن قاد هذه الفرقة، ثم أصبح وزيرا كبيرا يطل على مشارف صبرا وشاتيلا، وكانت هذه الحقبة مليئة بمثل هذه الحقائق، لم يعرفها هذا الجيل، ولم يكشف عنها، كانت تطوي أخبارها في الملفات السرية، والجنرالات يترقون ويعلقون الأوسمة على أكتافهم. على أنقاض القرى العربية التي هدمت، وعلى جثث موتانا كانت تتألق شخصيات الجنرالات السبارتية، كانت تصنع آلهة الحرب، (والديمقراطية الإسرائيلية). تتثقف هذه الأجيال على السجود لهذه اللآلهة وتجعلها رمزا اسطوريا للتعالي القومي وللتغني والانتشار وللتحليق في غيبيات لا حدود لها.

لم أعرف إميل غرينتسفايغ في حياته، لقد عرفته بعد موته، شاب من حيفا، وعمل باحثا في مؤسسة أكاديمية بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، اهتز وجدانه، وأفاق من الغيبوبة. عاد الى الماضي القريب والبعيد، وقرر أنه حان الوقت لاسقاط الرموز ولتحطيم الالهة، القيت القنبلة، سقط هو، وظلت الالهة تتألق. بكت أمه وندبه زملاؤه، وفي العاشر من كل شباط يجتمعون في الساحة التي سقط عليها، ينددون بمن قتله، لئلا تتكرر الجريمة، ولئلا يعودون لمثل هذه الحكاية، ولكن ما دامت الالهة تتألق ولم تحاكم بتهم ارتكاب جرائم حرب، فانهم يطيلون الحكاية التي لم تنته بعد.

* بقلم الكاتب سلمان ناطور، من مجموعته ” حكاية لم تنته بعد”.

إرسال رد