التربية لحقوق الإنسان والحرّيّة الأكاديميّة

ارتأينا استهلال تقرير جمعيّة حقوق المواطن حول تضعضع الديمقراطيّة بموضوع التربية والتعليم. لا ينمو المجتمع الديمقراطيّ، حيث المواطنون النشطون الملتزمون بقيم حقوق الإنسان، والتسامح، واحترام الآخر، لا ينمو من فراغ، ويقوم جهاز التربية والتعليم بدور حيويّ في خلق هذا المجتمع. في مقدور جهاز التربية والتعليم المساعدة في ضمان استقرار الديمقراطيّة، من خلال تعريف الطلاّب على قيم تنضاف إلى تلك التي ينكشفون لها في بيوتهم وفي وسائل الإعلام، ومن خلال ثقافة الاستهلاك، وبتشجيع من أصحاب المصالح الاقتصاديّة.

ترجمة: جلال حسن

ارتأينا استهلال تقرير جمعيّة حقوق المواطن حول تضعضع الديمقراطيّة بموضوع التربية والتعليم. لا ينمو المجتمع الديمقراطيّ، حيث المواطنون النشطون الملتزمون بقيم حقوق الإنسان، والتسامح، واحترام الآخر، لا ينمو من فراغ، ويقوم جهاز التربية والتعليم بدور حيويّ في خلق هذا المجتمع. في مقدور جهاز التربية والتعليم المساعدة في ضمان استقرار الديمقراطيّة، من خلال تعريف الطلاّب على قيم  تنضاف إلى تلك التي ينكشفون لها في بيوتهم وفي وسائل الإعلام، ومن خلال ثقافة الاستهلاك، وبتشجيع من أصحاب المصالح الاقتصاديّة. تمكّن التربية للقيم الديمقراطيّة، التي تعرّف الطلاّب على آراء ومواقف متنوّعة، وتعلّمهم مهارات تجميع المعلومات، وتحليلها برؤية نقديّة وتفكير مستقلّ، هذه التربية تمكّن الطلاّبَ/ الطالبات (والمواطنين/ المواطنات لاحقًا) من التعامل باحترام وتسامح مع آراء وروايات مختلفة، وتمكّنهم كذلك من اختيار طريقهم ومواقفهم على نحوٍ مستقلّ ومدروس.

في الفترة الأخيرة، وبالتزامن مع تدهور المعايير الديمقراطيّة في إسرائيل في مجالات أخرى، يبدو أنّ التربية للديمقراطيّة قد تضرّرت هي كذلك، ويبدو أنّ هذه التربية تتعرّض لهجوم. يجري التعامل اليوم مع مضامين ترتبط بحقوق الإنسان، والتعدّديّة، والحياة المشتركة (وهي مضامين كانت تحت سقف الإجماع)، كـَ “خطيرة”، ومعترَض عليها، وتحتلّ قِيَمُ “العسكرة” حيّزًا كبيرًا في الثقافة المدرسيّة. يُنتهك حقّ الأقلّـيّة العربيّة في الثقافة واللغة، وتقع حرّيّة المعلّمين والباحثين في الأكاديميّة ضمن دائرة الخطر.

تتضاعف خطورة هذه النزعات على خلفيّة الاستطلاعات والدراسات التي تُظهِر -على نحوٍ يقطع الشكّ باليقين- أنّ مفهوم الديمقراطيّة يتمثّل اليوم -ولا سيّما في صفوف الشباب- في جوانبه الشكليّة، أي في الاعتقاد أنّ النظام الديمقراطيّ هو ذاك الذي تُجرى فيه انتخابات حرّة في أوقات ثابتة للبرلمان. في المقابل، ثمّة تآكل خطير في فهم الجانب الجوهريّ للديمقراطيّة الذي يتجسّد -في أساس ما يتجسّد- في حماية حقوق الأقلّـيّات في المجتمع من هيمنة الأغلبيّة.1  فعلى سبيل المثال، بيّن استطلاع أُجْرِيَ في شباط عام 2010 لصالح قسم التربية والتعليم في جامعة تل أبيب، وضمّ مئات أبناء الشبيبة من العرب واليهود في الفئة العمريّة 15-18 عامًا، بيّن أنّ أبناء الشبيبة يؤيّدون في الظاهر النظامَ الديمقراطيّ، لكن تَبيّنَ أنّ 80% من المستطلَعين (79% من اليهود) يفضّلون نظامًا ديمقراطيًّا بقيادةٍ لا يتّفقون معها، على نظام ديكتاتوريّ بقيادة يتّفقون معها. على الرغم من ذلك، تشير البيانات أنّ الديمقراطيّة بالنسبة لمعظم الشباب في إسرائيل تتمثّل في بُعدها الشكليّ؛ في المقابل، لا يحظى البعد الجوهريّ لهذا النظام، ألا وهو حقوق الفرد والأقلّـيّات، لا يحظى باعتراف وحماية، إذ اتّضح أنّ 46% من المشاركين اليهود في الاستطلاع لا يعتقدون بضرورة منْح المواطنين العرب حقوقًا كاملة؛ ويعتقد 52% بضرورة منع العرب من أن يُنتخَبوا للكنيست.2

بدون توفير الحماية للديمقراطيّة بعامّة، ولحقوق الأقلّـيّات بخاصّة، لا يمكن للديمقراطيّة الحقيقيّة أن تدوم مدّة طويلة.3 يفتح تآكل المواقف الديمقراطيّة الباب على مصراعيه لانتهاك هذه الحقوق، ولتجلّيات الكراهية، وغياب التسامح والعنف، وضعضعة أسس المجتمع الديمقراطيّ. العنصريّة في إسرائيل تشهد في السنوات الأخيرة تفشّيًا خطيرًا، وتتعاظم مشروعيّتها الاجتماعيّة؛ وتُنتهَك حرّيّة تعبير الأفراد والمجموعات، وتتكاثر ظواهر نزع الشرعيّة عمّن يُنظر إليهم كمغايرين، بما في ذلك أعمال العنف التي تمارَس ضدّ مجموعات الأقلّـيّة في إسرائيل، كالعرب، والمهاجرين اليهود الجدد، والمثليّين والمثليّات، والحاريديم (المتديّنين المتزمتين)، والمهاجرين الذين يقصدون البلاد للعمل.4

على هذه الخلفيّة، تتعاظم -كما ذُكر- أهمّـيّة التربية لقيم الديمقراطيّة، أي على حقوق الإنسان، والتسامح، والتعدّديّة، والتفكير النقديّ، واحترام الآخر. يصف الفصل الذي نضعه بين أيديكم وضع التربية للديمقراطيّة داخل جهاز التعليم الإسرائيليّ بحسب بعض المجالات المركزيّة. في نهاية الفصل، ستَرِدُ توصيات قامت جمعيّة حقوق الإنسان ببلورتها ابتغاءَ تعزيز التربية للديمقراطيّة. في نهاية المطاف، سيصبح تلاميذ اليوم مواطني الغد، وهم الذين سيرسمون صورة المستقبل.

  1. على سبيل المثال، وافق معظم المستطلَعين في استطلاع المعهد الإسرائيليّ للديمقراطيّة (78% في العام 2007 وَ 56% في العام 2008) على المقولة العامّة: “يجب أن يحصل جميع الناس على الحقوق ذاتها، بصرف النظر عن مواقفهم  السياسيّة”؛ لكن عندما فحص محرِّرو الاستطلاع المواقفَ إزاء حقوق عينيّة، تبيَّنَ أنّ تأييدها يشهد تراجعًا. وهكذا على سبيل المثال، وافق نصف المستطلَعين على ضرورة توفير الإمكانيّة للتعبير عن انتقاد حادّ لدولة إسرائيل، وأيّد ما لا يزيد عن 54% حرّيّة المعتقد الدينيّ في العام 2007، ولم يؤيّد الأمرَ في []
  2. مزيد من البيانات في هذا الاستطلاع، تُرجى مراجعة الخبر على موقع ynet. يمكن العثور على نتائج مشابهة في مؤشّر الديمقراطيّة 2004 الذي أجراه معهد الديمقراطيّة الإسرائيليّ، والذي عالج مواقف أبناء الشبيبة. []
  3. للمزيد حول العلاقة بين حقوق الإنسان والديمقراطيّة راجعوا مقدّمة تقرير ” حقوق الإنسان في إسرائيل – صورة الوضع 2009″. []
  4. عالجنا هذا الأمر بإسهاب في تقرير “حقوق الإنسان في إسرائيل – صورة الوضع  2009، الذي نُشِر في كانون الأوّل من العام 2009. راجعوا -على سبيل المثال- الفصل الذي يعالج الكراهية والعنصريّة . سنعاود التطرّق إلى هذا الموضوع في الفصول القادمة من تقرير الديمقراطيّة التي ستُنشر على هذا الموقع. []

أحدث التدوينات

  • دروس أكتوبر وأزمة التربية في البلاد

    هذا الواقع المشوه الذي يتعلم به الطالب العربي عن تاريخ الشعب اليهودي كل شيء تقريباً ولا يعرف الطالب اليهودي عن العربي سوى الأفكار المسبقة والتاريخ من وجهة النظر الصهيونية فقط، تعمق البعد وتزيد من الكراهية وتمنع أي إمكانية للحديث عن حياة مشتركة.

  • هدوء في الكرمل

    إلا أن هذه الثروة الفكرية والبشرية غالبا ما لا تصل إلى غرفة الجلسات في الطابق الـ 28 من البرج، الذي تقام فيه لجان الطاعة. هم في قمة البرج غالبا ما لم يسمعوا عن الحق بعملية عادلة، وبعلنية الجلسات التي تدرّس في قاعات كلية القانون في الاسفل

  • خطوة هامّة لوزارة التربية والتعليم

    إن القرار الذي اتّخذته وزارة التربية والتعليم في لواء الشمال، بجعل تعليم اللغة العربية إلزاميًا في حوالي 180 مدرسة من الوسط اليهودي، يعتبر قرارا هامًّا بالإمكان الإشادة به رغم تأخّر صدوره لمدة 62 عامًا.. إن الخطوة المطلوبة الان هي تغيير العقلية والسياسة بكل ما يخصّ مكانة اللغة العربية على مستوى وزارة التربية والتعليم أيضا، وعدم حصرها بواحد من الألوية فقط.. ولكن، هل باستطاعة الوزير ساعر اتخاذ خطوة كهذه، التي من شأنها توثيق وتطوير التفاهم والتعايش بين العرب واليهود في اسرائيل؟ هل بإمكانه أن يبث رسالة الوحدة الحقيقية، التي تضم داخلها ليس فقط اليهود من اليمين واليسار، إنّما أيضًا 20% من مواطني الدولة؟؟

  • يمكننا أن نؤثّر

    قبيل عقد جلسة لجنة التربية والتعليم في الكنيست- إبعثوا برسائلكم مباشرةً لأعضاء اللجنة وذكّروهم بأهميّة دعم الحرية الأكاديمية في إسرائيل

  • نصف الشباب لا يريدون التعلّم مع عربيّ

    نتائج مقلقة وتشير الى تردّي الديمقراطية في إسرائيل واستشراس التعصب والعنصرية لدى الشباب