في التسعينيّات، عيّن وزير التربية والتعليم لجنة هدفها تطوير برنامج شامل لإكساب طلاّب دولة إسرائيل موضوع المدنيّات (المواطَنة). بعد مرور عام، قدّمت اللجنة التي ترأَّسَها البروفيسور مردخاي كريمنتسير تقريرًا مفصّلاً جاء بعنوان “أن تكون مواطنًا”. وجاء فيه ما يلي: “مناعة وجودة النظام الديمقراطيّ يتأتّيان بمقدار التزام المواطنين بالفكرة الديمقراطيّة…
في التسعينيّات، عيّن وزير التربية والتعليم لجنة هدفها تطوير برنامج شامل لإكساب طلاّب دولة إسرائيل موضوع المدنيّات (المواطَنة). بعد مرور عام، قدّمت اللجنة التي ترأَّسَها البروفيسور مردخاي كريمنتسير تقريرًا مفصّلاً جاء بعنوان “أن تكون مواطنًا”. وجاء فيه ما يلي: “مناعة وجودة النظام الديمقراطيّ يتأتّيان بمقدار التزام المواطنين بالفكرة الديمقراطيّة… ينبغي تقديم التربية للمواطَنة لجميع الطلاّب في جهاز التعليم. هذه التربية تشكّل شرطًا أساسيًّا للحياة داخل النظام الديمقراطيّ. كي تتكلّل المَهَمّة بالنجاح، حريٌّ بالتربية للديمقراطيّة أن تتجسّد من خلال مسار متواصل، على امتداد سنوات الدراسة، ومن خلال إجراء شموليّ، وتنسيق بين جميع مساقات التعليم، بالإضافة إلى تطوير بيئة مدنيّة في المدارس”. وبحسب تقرير كريمنيتسير، إنّ التربية لقيم الديمقراطيّة تُعتبر جوهر التربية المدنيّة في جميع الدول الديمقراطيّة.
قدّمت اللجنة مجموعة من التوصيات، في صُلبها توسيع تدريس المدنيّات ابتداءً من مرحلة رياض الأطفال حتّى نهاية المرحلة الثانويّة، وبناء مسار منظوماتيّ شامل وبإشراك جميع المعلّمين والمديرين، بغية إكساب القيم الديمقراطيّة حتّى خارج دروس المدنيّات. وأوصت اللجنة -في ما أوصت- بخلق مُناخ مدنيّ وتعدُّديّ في المدرسة، من خلال التشديد على أفكار الالتقاء مع الآخر، وفضّ الخلافات بواسطة النقاشات، وتطوير التفكير النقديّ لدى الطلاّب.
تجدر الإشارة أنّه منذ تقديم تقرير كريمنيتسير حصل تحسُّن ملحوظ في تدريس المدنيّات من حيث الحجم، وكذلك في ما يتعلّق بمضامين التدريس وأساليبه. طُبّق القسم الأكبر من التوصيات، وهو -لا ريب- أمر يستحقّ الثناء. ويتبيّن من مسح أُجْرِيَ في العامين 2007-2008 من قِبل وزارة التربية والتعليم، ومركز التكنولوجيا التربويّة (“مطاح”)، ومبادرات صندوق أفراهام، ومعهد فان لير في القدس، يتبيّن أنّه ثمّة ستّ وحدات في وزارة التربية والتعليم، تتلخّص وظائفها في تطوير موضوع التربية المدنيّة1 من خلال تطوير موادّ تدريسيّة ملائمة، وإجراء الاستكمالات للمدرّسين، وتوفير الميزانيّات لحصص المدنيّات، وغير ذلك. يتبيّن من المسح كذلك أنّ نحو 75% من المدرّسين في المدارس فوق الابتدائيّة قد شاركوا في استكمالات في مجال التربية للمواطَنة، وأنّ 70% من المعلّمين في المدارس في الدولة ينفّذون أنشطة في الموضوع، بما في ذلك أنشطة الانخراط في المجتمع المحلّيّ، والتربية البيئيّة، والتربية لحقوق الإنسان والتعدّديّة الثقافيّة، وتشجيع الحوار بين المتديّنين والعَلمانيّين، والتربية للحياة المشتركة بين اليهود والعرب.
بالإضافة إلى ذلك، منذ السنة الدراسيّة 2008-2009، أُلزِم جميع طلاّب الصفوف التاسعة بتعلّم المدنيّات لساعتين أسبوعيّتين، وابتداءً من العام الدراسيّ الحاليّ (2009-2010) يُمتحن جميع خرّيجي الصفوف الثانية عشرة في امتحان مدنيّات للبجروت بحجم وحدتَيْ تعليم.
على الرغم من ذلك، هذا التحسّن لا يستوفي المطلوب بتاتًا، إذ لم تُطبَّق جميع التوصيات، حيث يجري تدريس موضوع المدنيّات في ستّ مراحل صفّـيّة فقط (ثلاث منها في المرحلة الابتدائيّة، وواحدة في المرحلة الإعداديّة، واثنتان في المرحلة الثانويّة)، لا بتسلسلٍ ابتداءً من صفّ البستان حتّى الصفّ الثاني عشر كما أوصت اللجنة. بالإضافة إلى ذلك، الكثير من المدارس ما زالت لا تُجري أيّ نشاطات تتعلّق بالتربية المدنيّة، وثمّة نقص في عدد المدرّسين من حَمَلة شهادات التدريس في المدنيّات، بينما لا يحظى المدرّسون الذين شاركوا في استكمالات في المجال بالمرافَقة والمساعَدة في الموادّ. وهكذا، على سبيل المثال، تبيّن في المسح الذي ذُكر سابقًا أنّ 30% من المدارس في جميع المراحل العمريّة لا تنفّذ أيّ نشاط له علاقة بالتربية المدنيّة والحياة المشتركة. وتفيد الكثير من المدارس الأخرى أنّ نشاطات التربية المدنيّة التي تُجريها تتعلّق بـِ “المواطَنة النشطة” (أي النشاطات المجتمعيّة المنتزَعة من السياق الواسع لمشاركة المواطنين في الديمقراطيّة). وتلخّص الباحثات المسح (ص 30) على النحو التالي: “يعرض المسح صورة من الأنشطة المتفرّعة في مجال التربية للمواطَنة في المدارس، لكن هذا النشاط لا يصل -في أحيان متقاربة- حدَّ العمل التربويّ الفعليّ، أو يطبَّق داخل دائرة ضيّقة من المدرّسين والطلاّب. هذا النشاط يتميّز -على وجه العموم- بالعشوائيّة وقِصَر مدّة التنفيذ، والخروج عن السياق المدنيّ الواسع”.
بحسب تقديرنا، رغم مرور أربعة عشر عامًا على نشر تقرير كريمنيتسير، لا زالت التربية للديمقراطيّة وحقوق الإنسان يُنظر إليها، في وزارة التربية والتعليم، على أنّها متماثلة مع طاقم واحد (طاقم كريمنيتسير)، ومع موضوع واحد (موضوع المدنيّات)، لا على أنّها موضوع يتجنّد جهاز التعليم بأكمله لدفعه إلى الأمام. بالإضافة إلى ذلك، تُولِّدُ تصريحات وزير التربية والتعليم ورئيس السكرتارية التربويّة، ومسؤولين كبار آخرين، تولّد الانطباع أنّ التربية للديمقراطيّة وحقوق الإنسان تبتعد عن أن تَكون جوهرَ التربية المدنيّة في إسرائيل.
وثمّة سبب آخر لضرورة تعزيز التربية للديمقراطيّة وحقوق الإنسان، هو التراجع الذي حصل في السنوات الأخيرة في كيفيّة معايشة أبناء الشبيبة لجوهر الديمقراطيّة وفهمه. يشير هذا التراجع إلى أنّه حتّى التطبيق الكامل لتوصيات اللجنة غيرُ كافٍ إطلاقًا، وثمّة حاجة اليوم إلى خطوات أكثر اتّساعًا وحزمًا من تلك التي أوصت بها اللجنة.
حتّى في العام 1996، أشار تقرير كريمنيتسير إلى ما يحمله مفهوم الجمهور للديمقراطيّة من إشكاليّات، ويقول: “في صفوف غالبيّة أبناء المجموعات، يُتعامَل مع كونهم مواطنين كعنوان شكليّ في الأساس، وهزيل في المضامين، لا كأمرٍ ذي مكانة رفيعة”. ويواصل: “ثمّة نزعة قويّة إلى الانغلاق لدى جزء من المجموعات، وتجاهل مجموعات أخرى، والتعامل معها بنمطيّة وبسلبيّة”.
منذ ذلك الحين، تُظهِر معظم الدلائل، بما في ذلك استطلاعات الرأي العامّ، وأعمال عنف في صفوف الشباب، ومظاهر العنصريّة وغيرها، تُظهِر أنّ الوضع آخِذ في التدهور. من هنا، إيقاف التدهور في القيم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان يتطلّب اليوم خطوات أكثر اتّساعًا وجوهريّة من تلك التي اتُّخذت في الماضي. الآن على وجه الخصوص، من الحريّ بوزارة التربية والتعليم أن تُعزّز المجهود الذي يُبذل في التربية للديمقراطيّة وحقوق الإنسان، بغية وضح حدّ لهذه النزعات التي من شأنها تهديم الأسس الديمقراطيّة في الدولة.
- من الجدير بالإشارة أنّ المقصود هنا هو التربية المدنيّة بمفهومها الواسع، والذي يشمل -بالإضافة إلى التربية على القيم الديمقراطيّة- مواضيع مثل تطوير النزعة القياديّة، والهُويّة الإسرائيليّة، والنشاط لصالح المجتمع المحلّيّ. [↩]


