منذ قيام الدولة، للثقافة العسكريّة حضور في الحيّز العام الإسرائيليّ، بما في ذلك جهاز التعليم. هذا الحضور علنيٌّ هو وخفيٌّ في مناهج التدريس، وفي الأعياد، وفي الطقوس، والرموز، وفي الحضور الملموس لرجالات الجيش في الغرف التدريسيّة. على الرغم من ذلك، نشهد في الفترة الأخيرة موجة من المبادرات من قبل وزارة التربية والتعليم، تُشكّل تصعيدًا كبيرًا في تعزيز القيم العسكريّة في المدارس، وفي صفوف أبناء الشبيبة. ما يزيد القلق أكثر هو أنّ هذا المسار يأخذ مجراه دون نقاش جماهيريّ وعلنيّ عميق حول جوهر المشاريع وأهدافها وإسقاطاتها على التعليم والمجتمع والديمقراطيّة في إسرائيل.
منذ قيام الدولة، للثقافة العسكريّة حضور في الحيّز العام الإسرائيليّ، بما في ذلك جهاز التعليم. هذا الحضور علنيٌّ هو وخفيٌّ في مناهج التدريس، وفي الأعياد، وفي الطقوس، والرموز، وفي الحضور الملموس لرجالات الجيش في الغرف التدريسيّة. على الرغم من ذلك، نشهد في الفترة الأخيرة موجة من المبادرات من قبل وزارة التربية والتعليم، تُشكّل تصعيدًا كبيرًا في تعزيز القيم العسكريّة في المدارس، وفي صفوف أبناء الشبيبة. ما يزيد القلق أكثر هو أنّ هذا المسار يأخذ مجراه دون نقاش جماهيريّ وعلنيّ عميق حول جوهر المشاريع وأهدافها وإسقاطاتها على التعليم والمجتمع والديمقراطيّة في إسرائيل.
في السنة الأخيرة، بادرت وزارة التربية والتعليم -بالتعاون مع جيش الدفاع الإسرائيليّ- إلى تنفيذ برنامج يبتغي تعزيز الحافز للخدمة في الجيش في صفوف طلاّب المدارس الثانويّة. في شهر تشرين الثاني عام 2009، أُجْرِيَ في لجنة التربية والتعليم البرلمانيّة نقاش حول موضوع “تشجيع التجنيد لجيش الدفاع الإسرائيليّ داخل المؤسّسات التربويّة”؛ وقد أعلن وزير التربية والتعليم ما يلي: “سنبذل جهدًا مركّزًا في المدارس التي تتدنّى فيها نِسَبُ التجنيد للجيش، وسنبذل فيها قصارى الجهد لتشجيع الانخراط في جيش الدفاع الإسرائيليّ”. في مطلع العام 2010، بدأ البرنامج يعمل في مئات المدارس في البلاد، ويرسل في إطاره مئات الضبّاط والجنود إلى المؤسّسات التعليميّة كي يلتقوا بالمدرّسين والأهالي، وتجنيدهم لنشاطٍ جوهرُهُ زيادة نِسَب التجنيد، مع التشديد على الوحدات القتاليّة. من أجزاء البرنامج المهمّة نيّةُ نشْر نِسَب التجنيد، ومكافأة المدارس التي تسجَّل في صفوف خرّيجيها نِسَبُ تجنيدٍ عاليةٌ جدًّا .
يتجسّد التصعيد في تعزيز قِيَم العسكرة في المدارس -في ما يتجسّد- في ردود فعل جهاز التعليم ضدّ المديرين الذين يعارضون هذه البرامج وينتقدونها. هذا ما حصل مع زئيف دغاني (مدير مدرسة “غيمناسيا هرتسليا”) الذي أعلن أنّه سيرفض المشاركة في برنامج الوزارة الذي يجري بحسبه إدخال ضبّاط جيش الدفاع الإسرائيليّ إلى المدرسة. وقال دغاني إنّ “فكرة أن يقوم الجيش بتربية المعلّمين ما هي إلاّ تشكيك خطير في ما يقوم به هؤلاء [المعلّمون]. لست ضدّ الجيش، لكنّي ضدّ تشويه حدود الأشياء، وهو ما يحصل حين يأتي الضبّاط ليعلّموا المدرّسين كيف يدرّسون”. وقال دغاني إنّه يتلقّى رسائل تهديد منذ رفضه هذا، ودُعي لحضور جلسة لجنة التربية والتعليم في الكنيست التي ناقشت موضوع “حدود حرّيّة التعبير للعاملين في حقل التربية والتعليم“.
إذا مُكّن جنود جيش الدفاع من الدخول إلى المدارس الثانويّة، فمن اللائق أن ينكشف الطلاّب -في المقابل- إلى آراء مغايرة، وأن يحظوا بنقاش ناقد ومركّب، ومتعدّد الأوجه في موضوع الجيش والتجنيد. على الرغم من ذلك، منعت وزارة التربية والتعليم هذا العام مشاركة عضوات منظّمة “بروفيل جديد” (التي تعارض عسكرة جهاز التعليم، وتدعو إلى خدمة مدنيّة بديلة) في الندوات والمناظرات التي تدور في المدارس. على هذا النحو تُمكّن الوزارة مندوبي جيش الدفاع الإسرائيليّ من دخول المدارس من الباب الواسع، لكنّها تمنع الطلاّب من الاستماع والتعرّف على مواقف وآراء مختلفة تنتقد القيم العسكريّة.
يمكن العثور هذا العام على مثال لمحاولة ترسيخ وتعميق القيم العسكريّة في جهاز التربية والتعليم في مدرسة “ألون” في مدينة رمات هشارون حيث رفضت الإدارة هناك إتاحة المجال لـِ “منتدى العائلات الثاكلة” (وهي منظّمة إسرائيليّة فلسطينيّة تعمل على تدعيم التفاهم بين الشعوب) لإجراء نشاط في المدرسة. قال بعض الطلبة هناك إنّ الرفض ينبع من خوف المدرسة من أنّ نشاطًا كهذا قد يمسّ بنِسَب تجنيد الخرّيجين لجيش الدفاع الإسرائيليّ.
الخدمة العسكريّة في إسرائيل إلزام أو اضطرار ولّدته الظروفُ الأمنيّة التي تحياها الدولة. لا خلاف في ذلك. لكن على وزير التربية والتعليم أن يقلق من تصاعد شعبيّة العنصريّة والعنف وخطاب عدم التسامح في صفوف أبناء الشبيبة، قلقًا لا يقلّ عن قلقه على مشكلة التجنيد لجيش الدفاع الإسرائيليّ. هذه الظواهر ليست أقلّ خطرًا من أيّ تهديد آخَر. يُمكن لجيش الدفاع الإسرائيليّ أن يعمل على تهيئة أبناء الشبيبة للجيش، وتأهيل الجنود من خلال أُطُر عدّة أخرى تقع خارج جهاز التعليم؛ وحَرِيٌّ بجهاز التعليم في الدولة الديمقراطيّة أن يربّي على التسامح، والاستعداد للتحاور مع من يعبّرون عن مواقف أخرى، وعلى التعدّديّة، والتفكير النقديّ، والاعتراف بقيم المساواة والحرّيّة، كي يخرّج من بين ظهرانيه أناسًا يفكّرون، ويكترثون، ويلتزمون بحقوق الإنسان والديمقراطيّة.


