بدون النكبة

20% من مواطني الدولة، وأكثر من ذلك من تلاميذها، هم عرب. بالنسبة لهؤلاء، يرتبط استقلال دولة إسرائيل ارتباطًا غبر قابل للفصم بمصيبة الشعب الفلسطينيّ، ألا وهي النكبة. الكثير من الحقائق ذات الصلة بأحداث حصلت في البلاد في العام 1948 تشكّل -منذ سنين عديدة- مصْدرَ جدلٍ بين المؤرّخين وغيرهم، وثمّة بطبيعة الحال تأويلات تعرض روايتين أساسيّتين: رواية فلسطينيّة وأخرى إسرائيليّة. لكن، كيفما كان الأمر، لا يمكن إنكار الحقيقة التي مُفادها أنّ حكاية النكبة تشكّل جزءًا مركزيًّا من كينونة جزء كبير من سكّان الدولة، كحدث صادم، ومؤسِّس ومبلْوِر.

20% من مواطني الدولة، وأكثر من ذلك من تلاميذها، هم عرب. بالنسبة لهؤلاء، يرتبط استقلال دولة إسرائيل ارتباطًا غبر قابل للفصم بمصيبة الشعب الفلسطينيّ، ألا وهي النكبة. الكثير من الحقائق ذات الصلة بأحداث حصلت في البلاد في العام 1948 تشكّل -منذ سنين عديدة- مصْدرَ جدلٍ بين المؤرّخين وغيرهم، وثمّة بطبيعة الحال تأويلات تعرض روايتين أساسيّتين: رواية فلسطينيّة وأخرى إسرائيليّة. لكن، كيفما كان الأمر، لا يمكن إنكار الحقيقة التي مُفادها أنّ حكاية النكبة تشكّل جزءًا مركزيًّا من كينونة جزء كبير من سكّان الدولة، كحدث صادم، ومؤسِّس ومبلْوِر.

في العامين الأخيرين، تشنّ حكومة إسرائيل حربًا على النكبة. “الأمر الأوّل الذي سنفعله هو إخراج النكبة “، هذا ما صرّح به بنيامين نتنياهو قبل افتتاح السنة الدراسيّة في العام 2008، عند تطرُّقه إلى مناهج التدريس. في شهر أيّار من العام 2009، أيّدت الحكومة إدخال تعديل قانون يوم الاستقلال، الذي عُرف باسم “قانون النكبة”. وبحسب الصيغة التي صودق عليها في القراءة التمهيديّة، سيُحظر على الأجسام التي تحصل على دعم من الدولة تمويلُ نشاطٍ يُحْيي ذكرى النكبة. قُبَيْل افتتاح السنة الدراسيّة الحاليّة، قرّر وزير التربية والتعليم، غدعون ساعر، إخراج أيّ ذكر لأحداث النكبة من كتب التدريس في الوسط العربيّ. أمّا بالنسبة لأحد كتب التدريس في مادّة التاريخ المُعَدّ للطلاّب اليهود، والذي يعرض الروايتين الواحدة إلى جانب الأخرى، فقد تقرَّرَ إخضاعه للفحص المجدّد.

في هذه الحالة، كما في حالات أخرى، تُرافقُ الخطواتِ الرسميّةَ أجواءٌٌ من التخويف ونزع الشرعيّة عن كلّ مَن تُسوِّلُ له نفسُه معالجة موضوع النكبة، وإن كان ذلك على مستوى التعرّف التاريخيّ على الرواية الفلسطينيّة. هكذا، على سبيل المثال، بعد أن أمرت وزارة التربية والتعليم مديري موقع “العامل المشترك” التابع لـِ “مطاح” بإزالة رمز الوزارة، وبضغط من أطراف يمينيّة، تَقرَّرَ -استنادًا إلى ما نُشر في الإعلام (صحيفة هآرتس)- شطبُ موادّ تعالج موضوع اللاجئين الفلسطينيّين من موقع آخَر يتبع لـِ “مطاح”.

يحمل حظر إحياء ذكرى النكبة دلالات خطيرة، إذ يتوافر للمواطنين الفلسطينيّين، بمن فيهم الطلاّب، حقُّ تعلُّم تاريخهم، والتعبير عن هُويّتهم وذاكرتهم الجمعيّة. لا يهدّد إحياء ذكرى النكبة أمن دولة إسرائيل ولا أمن سكّانها، إنّما يعبّر عن حقّ أساسيّ ومشروع لكلّ فرد أو مجموعة أو شعب بالتعبير عن ألمه حيال ما يبدو له مصيبةً. بالنسبة للمواطنين العرب، تشكّل هذه الخطوات عدم اعتراف رسميًّا، وإلغاءً لروايتهم التأسيسيّة، الأمر الذي يزيد من ابتعادهم عن أحاسيس الانتماء إلى الدولة التي يعيشون فيها. أمّا بالنسبة للطلبة اليهود، فإنّ هذه القرارات تمثّل نفيًا للآخر، وتحرمهم من التعرّف على حكاية الشعب الفلسطينيّ. يشكّل هذا الأمر بالنسبة لنا جميعًا- عربًا ويهود- مساسًا بإمكانيّة التفاهم المتبادل والتعارف والتعايش. تجدر الإشارة، في هذا المقام، أنّ ثمّة دراسات أوّليّة تُظهِر أنّ لدى أبناء الشبيبة اليهود القدرةَ على التعامل مع الروايتين التاريخيّتين واحتوائهما، بالإضافة إلى الحافز القويّ للتعرّف على الآخر.1

في السنوات الأخيرة، تتعالى أصوات في صفوف الجمهور العربيّ في إسرائيل مطالِبةً بإقامة سكرتارية تربوية منفصلة للتعليم العربيّ، من خلال الاعتراف بكون المواطنين العرب أقلّـيّة قوميّة وثقافيّة،2 وذلك على غرار التعليم الحاريديّ والتعليم الرسميّ المتديّن، حيث يُعبَّر عن الحقّ في درجة معيّنة من الاستقلاليّة في تحديد مضامين التعليم لقطاعات معيّنة. وقد نوقش هذا الأمر في لجنة التربية والتعليم البرلمانيّة في مطلع العام 2008. وفي البيان الصحفيّ الذي أصدرته اللجنة على ضوء النقاش، قال عضو الكنيست الحاخام ملكيئور (رئيس اللجنة آنذاك): “ثمّة إحساس بأنّ تيّارات مختلفة تحصل على مزيد من الاستقلاليّة، إلى أن يصل الأمر إلى العرب. إذ عندما يصلون إليهم، يقول المتنفّذون في الوزارة: “هذا هو الحدّ، على التعليم أن يكون رسميًّا وموحَّدًا. أعتقد بضرورة منح تجسيد بنيويّ للرغبة الكبيرة لدى الجمهور العربيّ بالتعبير عن هُويّة خاصّة به، وبلورتها”. كان من المفترض بالالتزام بقيم المساواة واحترام الأقلّـيّة أن يُفْضِيا إلى أنْ تُجري وزارة التربية والتعليم عمليّةَ فحص حقيقيّةً لمكانة التعليم العربيّ، وللمساواة الجوهريّة للطلاّب العرب في إسرائيل.

  1. انظروا: نوغا عيني- ألحداف ودان بار-أون (رحمه الله)، فروق في فهم الرواية الإسرائيليّة والرواية الفلسطينيّة من العام 1948 في صفوف أبناء شبيبة يهود إسرائيليّين- التعامل مع دراسة تاريخ ثنائيّ الرواية (سيُنشر لاحقًا في الدوريّة  “عِيّونيم بَحينوخ” (“مراجعات تربويّة”). وكذلك: نوغا عيني- ألحداف، تعلُّم رواية الآخر التاريخيّة- ردود فعل أبناء شبيبة يهود إسرائيليّين على الروايتين التاريخيّتين -الإسرائيليّة والفلسطينيّة- من العام 1948. وظيفة إنهاء للحصول على الماجستير، قسم علم النفس، جامعة بن غوريون، 2008. []
  2. انظروا أوراق مواقف قُدّمت في إطار مشروع “الشرخ اليهوديّ- العربيّ” في المعهد الإسرائيليّ للديمقراطيّة : خالد أبو عصبة، إقامة مديريّة مستقلّة لجهاز التعليم العرب في إسرائيل ؛ هالة إسبنيولي، استقلاليّة ثقافيّة للتعليم العربيّ. . []

إرسال رد