يعتمد العمل الأكاديميّ، الذي يشمل الدراسة والتعليم والكتابة والبحث، على الحرّيّة الأكاديميّة، وعلى حرّيّة التفكير والتدريس، والتعبير عن أفكار مختلفة، وإن كانت تلك غير شعبيّة ألبتّة. لا يمكن للمؤسّسات الأكاديميّة أن تبقى قائمة في غياب هذه الظروف، وبدونها لن يتوافر التفكير الحرّ، ولن تكون هنالك علوم وفلسفة ولا جوائز نوبل. جوهر البحث الأكاديميّ، وجوهر السبيل للتطوّر العلميّ هو التشكيك والاعتراض على الفرضيّات الأساسيّة؛ لذا تلقى الأفكار العلميّة التحديثيّة -في الكثير من الحالات- معارضة وانتقادات، ولهذا السبب بالذات يجب منحها فرصة للتعبير.
يعتمد العمل الأكاديميّ، الذي يشمل الدراسة والتعليم والكتابة والبحث، على الحرّيّة الأكاديميّة، وعلى حرّيّة التفكير والتدريس، والتعبير عن أفكار مختلفة، وإن كانت تلك غير شعبيّة ألبتّة. لا يمكن للمؤسّسات الأكاديميّة أن تبقى قائمة في غياب هذه الظروف، وبدونها لن يتوافر التفكير الحرّ، ولن تكون هنالك علوم وفلسفة ولا جوائز نوبل. جوهر البحث الأكاديميّ، وجوهر السبيل للتطوّر العلميّ هو التشكيك والاعتراض على الفرضيّات الأساسيّة؛ لذا تلقى الأفكار العلميّة التحديثيّة -في الكثير من الحالات- معارضة وانتقادات، ولهذا السبب بالذات يجب منحها فرصة للتعبير.
يعبّر أفراد المؤسّسات الأكاديميّة دائمًا وأبدًا عن أفكار لم يستسغها الكثيرون، إلاّ أنّ الحرّيّة الأكاديميّة للمحاضرين والمربّين تعاني في السنة الأخيرة هجومًا شديدًا من قبل أصحاب وظائف جماهيريّة، ومنظّمات سياسيّة.
في شهر آب عام 2009، نشر الدكتور نيف غوردون (رئيس قسم العلوم السياسيّة في جامعة بن غوريون) مقالاً في صحيفة لوس أنجلس تايمز، دعا فيه المجتمع الدوليّ إلى فرض مقاطعة على إسرائيل بغية الضغط عليها كي تنهي الاحتلال، وهو موقف يؤيّده آخرون في المؤسّسات الأكاديميّة. تَوجَّهَ قنصل إسرائيل العامّ في لوس أنجلس، احتجاجًا على المقال، برسالة لاذعة؛ وانضمّت الجامعة إلى الاستنكار مدّعيةً أنّ الدكتور غوردون قد تخطّى حدود حرّيّته الأكاديميّة.
وكأنّ ما حدث للدكتور غوردون شكّل إشارة البدء لشنّ هجمات شرسة على حرّيّة تعبير الشخصيّات التربويّة بصورة خاصّة، والشخصيّات الأكاديميّة بصورة عامّة. وقد شنّ الوزير موشيه (بوغي) يعلون هجومًا على الشخصيّات الأكاديميّة التي عبّرت عن مواقف لا تلائم أفكاره، واتّهمها بأنّها تجنّدت للمعركة ضدّ دولة إسرائيل. وزير التربية والتعليم انضمّ هو كذلك إلى جوقة المهاجمين، وأعلن أنّه سيتّخذ إجراءات ضدّ المحاضرين الذين يَدْعون لفرض مقاطعة أكاديميّة على إسرائيل ، وفي معرض ردّهم قام 542 محاضرًا بنشر عريضة في شهر حزيران من هذا العام ، فيها يحذّرون وزير التربية والتعليم من المساس بحرّيّتهم وحرّيّة زملائهم الأكاديميّة. وجاء في العريضة: “حريٌّ بجهاز التعليم العالي الإسرائيليّ، كي يكون نوعيًّا وصالحًا، أن يُعبَّر داخله كذلك عن أفكار لا يستسيغها الجميع، وأن تُسْمَع داخله انتقادات اجتماعيّة وسياسيّة، وأن يُجرَى فيه بحثٌ وتعليمٌ نقديّان، إلى حدّ أن يشكّلا مصدرًا للاختلاف. لكن يبدو أنّ وزير التربية والتعليم لم يقتنع بالأمر.
بعد أن تغلغلت ثقافة الإسكات في صفوف الوزراء وأعضاء الكنيست، أتى دور المؤسّسات الأكاديميّة ذاتها. فقد نشرت أسبوعيّة “هاعير”،1 في كانون الأوّل عام 2009، تقريرًا جرى فيه عرض لمنظّمة Israel academia monitor”" التي تقدِّم كلّ عام لمجالس أمناء الجامعات المختلفة تقريرًا يوثّق نشاط “شخصيّات أكاديميّة تريد تحطيم دولة إسرائيل” -كما وَصفتْ هؤلاء محرِّرةُ موقع المنظّمة- “أكاديميّون يَدْعون في مؤتمرات في العالم إلى مقاطعة إسرائيل، أو أكاديميّون يتعاونون مع منظّمات مؤيّدة للعرب، مثل عدالة وبتسيلم”. وتحدّثت شخصيّات أكاديميّة أجرت معها الصحيفة مقابلات عن مُناخ من الملاحقة والإسكات.
في نهاية العام 2009، طلبت النيابة العامّة من د. دافيد بقاعي أن يتراجع عن أقوال نُسِبت إليه وفيها تحريض على العرب، وأن يوقّع على تصريح يلتزم فيه بعدم تكرار مثل هذه الأقوال مستقبَلاً، على الرغم من أنّه ينكر تفوُّهَهُ بمثل هذه الأقوال، وأنّه لم يَثبت أبدًا أنّه تفوّه بها. في حدث آخر، سارعت جامعة بن غوريون في النقب إلى فصل محاضر عبّر عن موقف مُعادٍ للّوطيّين. وعلى الرغم من أقواله المؤذية، وقفت جمعيّة حقوق المواطن إلى جانب المحاضر وادّعت أنّ الحرّيّة الأكاديميّة تعني -في ما تعني- الحرّيّةَ في التعبير على نحو استفزازيّ، وبخاصّة طالما بقي الحديث يدور عن التعبير عن الرأي. في مقدور لجنة التدريس أن تطلب من المحاضر أن يوضّح أنّ الحديث يدور عن رأيه الشخصيّ، ومن الواضح أنّ من واجبها الاهتمام بألاّ يضلِّل المُحاضرُ الطلاّبَ في كلّ ما يتعلّق بالمفاهيم البحثيّة والأخلاقيّة القائمة، لكنّ فصل المُحاضر أمر مرفوض.
وصلت الهجمة على الحرّيّة الأكاديميّة إلى لجنة التربية والتعليم التابعة للكنيست. فعلى ضوء تقرير أُعِدّ في حركة “إم تِرْتسو”، أجرت اللجنة نقاشًا حول موضوع “إقصاء آراء صهيونيّة في المؤسّسات الأكاديميّة”. وقد مُنح أعضاء الحركة منصّة واسعة خلال النقاش، بينما لم يُمنح مَن رغب في التعبير عن موقف مغاير فرصةً للقيام بذلك تقريبًا ، ولم يتمكّن المشاركون من قراءة التقرير قبل التئام اللجنة. خلال النقاش، هاجم المتحدّثون المضامين التي تُدرَّس في مؤسّسات التعليم العالي، وطُرحت فكرة تعزيز الرقابة على المحاضرين. واستمرارًا للتقرير والنقاش في اللجنة، أعلن وزير التربية والتعليم أنّه سيُجري فحصًا لشكاوى الحركة حول آراء المحاضرين وحول مضامين التدريس.
في الفترة القريبة، يعتزم معهد الإستراتيجيّة الصهيونيّة (الذي هاجم تدريس المدنيّات في المدارس كما أوردنا آنفًا) نشْرَ تقرير يدّعي وجود “انحراف نحو الفكر الما بعد- صهيونيّ في أقسام علم الاجتماع في جامعات البلاد. في هذه المرّة كذلك، لا تُفحص المضامين التي تُدرَّس في الجامعات بمعايير أكاديميّة ((راجعوا على سبيل المثال مقالة بقلم غاي غروسمان ورامي كابلان على موقع صحيفة هآرتس الإلكتروني، والذي يتطرق لتقرير ” إم تيرتسو”)) -كجودة البحث ودرجة التجديد فيه وأصالته، على سبيل المثال-، بل بحسب معايير سياسيّة، إذ تحاول منظّمة تحمل أَجِنْدَةً سياسيّة واضحة المساسَ بحرّيّة الباحثين الأكاديميّة -الباحثين الذين لا تتماشى مفاهيمهم مع تلك التي تحاول هذه المنظّمة تدعيمها.
بلغت الهجمة على الحرّيّة الأكاديميّة ذروتها في التهديد الذي وجّهته حركة “إم تيرتسو” إلى رئيسة جامعة بن غوريون، والذي مُفادُهُ أنّ الحركة ستعمل على إيقاف التبرّعات للجامعة إذا لم يقوَّم “الانحراف المناهض للصهيونيّة” في تركيبة الكادر التعليميّ، وفي برنامج التعليم في قسم السياسة والحكْم في الجامعة. لم تفزع رئيسة الجامعة من التهديدات، وسارع رؤساء مؤسّسات التعليم العالي بالوقوف إلى جانبها. المحاولة الفظّة لحركة “إم تِرْتسوا” لتطويع مضامين أكاديميّة لصالح أَجِنْدَة سياسيّة محاولةٌ تقضّ المضجع شديدًا على ضوء العلاقات المحتملة لهذه الحركة مع المؤسّسة الحاكمة. وقد كشف موقع “كلكاليست” أنّ التمويل الأساسيّ لهذه الحركة يصل من خلال الوكالة اليهوديّة. وتحدّث رئيس جامعة تل أبيب (صحيفة هآرتس) “عن الباب المفتوح أمام أفراد الحركة في أروقة المستوى السياسيّ في إسرائيل”.
حرّيّة تعبير الطلاّب الجامعيّين هي كذلك كانت عرضة للانتهاك. ففي إحدى القضايا، ألغت إدارة جامعة حيفا، بدعم من منظّمة الطلاّب العامّة، إجراءَ مظاهرة بادر إليها بعض الطلبة بمناسبة مرور عام على عمليّة الرصاص المصبوب العسكريّة. في حالة مماثلة، وهي كذلك في جامعة حيفا، حَظرت الجامعة إجراءَ مظاهرة احتجاجيّة على أحداث الأسطول التركيّ الذي كان متوجّهًا إلى غزّة. وفي قضيّة أخرى، وُجّه انتقاد ضدّ جامعة تل أبيب (nrg- معاريف) ملخَّصُه أنّها منعت مراسل محطّة يهودا وشومرون المحلّـيّة من تغطية مؤتمر عقدته حول النكبة.
في لقاء عُقد في الفترة الأخيرة مع منظّمات لحقوق الإنسان، وجمعيّة حقوق المواطن من بينها، وجّه بعض طلبة جامعة حيفا العرب لومًا ضدّ سياسة الجامعة تجاه النشاطات السياسيّة والاجتماعيّة التي يبادرون لإجرائها؛ إذ ادّعى هؤلاء أنّهم لا يحصلون في غالبيّة الحالات على تصريح للنشاطات (وإنْ جرى الحديث عن مظاهرة أو محاضرة أو توزيع مناشير وما شابه)، وتُلغَى في اللحظة الأخيرة تصاريحُ مُنحت سلفًا، بذرائع غير معقولة (هذا إنْ قُدّمت الذرائع أصلاً). ويدّعي الطلاّب كذلك أنّ المظاهرات تُفرَّق بالقوّة في بعض الأحيان، ويُستدعى الطلبة المنظِّمون للمثول أمام لجنة الطاعة. وتدّعي جامعة حيفا، في ردّها على رسائل مركز عدالة حول حرّيّة التعبير للطلاّب، أنّ النشاط الجماهيريّ يشكّل هدفًا ثانويًّا مقابل أهدافها الأساسيّة التي تتجسّد في التدريس والبحث، وأنّها تتيح إجراء نشاطات عامّة متنوّعة في داخلها بحسب القانون وأنظمة الجامعة.
في شهر حزيران الأخير، طُرحت حرّيّة تعبير المعلّمين في المدارس في جلسة للجنة التربية والتعليم. وقد دُعي إلى حضور هذه الجلسة التي عالجت موضوع “حدود حرّيّة التعبير لرجال التربية“ كلٌّ من الدكتور “زئيف دغاني” (مدير مدرسة “جيمناسيا هرتسليا”) الذي وجّه انتقادات على إدخال الضبّاط للمدارس في إطار برنامج لتشجيع التجنيد لوحدات قتاليّة، وَ “رام كوهين” (مدير مدرسة عيروني “أ” في تل أبيب) الذي تحدّث مع طلاّبه حول الاحتلال . كذلك وَجّه مسؤولون كبار في وزارة التربية والتعليم انتقادات إلى كوهين، وجرت دعوته لجلسة استفسار. حرّيّة التعبير في المؤسّسات التربويّة هي مسألة مهمّة وتستحقّ المداولة والمناقشة والبحث، لكن استدعاء المديرين (لا سواهما) إلى اللجنة يثير التخوّف من أنّ في الأمر محاولةً لنزع الشرعيّة عن مواقف سياسيّة واجتماعيّة معيّنة. هكذا، على سبيل المثال، يبدو أنّ اللجنة لا تجد أيّ مشكلة في “إحياء يوم غوش قطيف“ في المدارس الذي يوفّر منصّة لمواقف سياسيّة واضحة بمصادقة من وزارة التربية والتعليم.
من مجمل هذه الأحداث التي عُرضت أعلاه، تُشتمّ رائحة الإسكات والانتهاك الخطير لحرّيّة المعلّمين والمحاضرين الأكاديميّة، وهي التي تشكّل شرطًا ضروريًّا للتعليم العالي في الدول الديمقراطيّة. وبحسب ما نُشر في وسائل الإعلام (صحيفة هآرتس)، حتّى في وزارة التربية والتعليم طُرح -في الفترة الأخيرة- موقفٌ مُفادُهُ أنّه “ ليس ثمّة اليوم استعداد للإصغاء لآراء لا تتساوق مع الموقف الرسميّ” ، وأنّه “ثمّة موظفون يخشون التعبير عن موقفهم المهنيّ ويخنعون لتعليمات المسؤولين الكبار في الوزارة بهدف البقاء. ”
في آذار من هذا العام، كان وزير التربية ساعر المتحدّثَ الرئيسيّ في مؤتمر حركة ” إمْ تِرْتسو” -وهو جسم يعترض على نحو غير ديمقراطيّ على شرعيّة أيّ موقف يختلف عن الرواية الصهيونيّة المعيّنة التي يدعمها-. وقال الوزير للمشاركين في المؤتمر: “أثمّنُ عاليًا هذا النشاط، وأعتقد أنّ الأمر (منضافًا إلى نشاط مجموعات أخرى في صفوف الشبّان الصغار) هو مبعثٌ لأمل كبير [...] هذا الأمر مطلوب في جامعاتنا أكثر من أيّ وقت مضى”.
من حقّ وزير التربية والتعليم (بل من واجبه) -كسياسيّ- أن يُسْمِع آراءَه. ومع ذلك، فالدعم الجارف الذي يمنحه لجسم مثل “إمْ تِرْتسوا” الذي أعلن الحرب -في الفترة الأخيرة- على منظّمات حقوق الإنسان، ويحاول بصورة منهجيّة نزع الشرعيّة عنها، يتناقض تناقضًا مطلقًا مع قيم التعدّديّة وتعدّد الآراء وحرّيّة التعبير.
- شاي غرينبيرغ ونيطاع أحيطوف، مكروهون، هاعير، 11.12.2009 [↩]


