تلخيص

المناخ العام الذي يسود أروقة الحكم في إسرائيل هو ذلك الذي يُبدي استعداده للتفريط بسهولة مُروّعة عن عدد من الأسس الديمقراطية لنظام الحكم؛ وهو ذلك المناخ الذي لا يعتبر قواعد اللعبة الديمقراطية أمرا ينبغي المحافظة عليه، كالمحافظة على بؤبؤ العين.

المناخ العام الذي يسود أروقة الحكم في إسرائيل هو ذلك الذي يُبدي استعداده للتفريط بسهولة مُروّعة عن عدد من الأسس الديمقراطية لنظام الحكم؛ وهو ذلك المناخ الذي لا يعتبر قواعد اللعبة الديمقراطية أمرا ينبغي المحافظة عليه، كالمحافظة على بؤبؤ العين.

يتحوّل هذا المسار تدريجيا إلى مشكلة ذات اتجاهين متعاكسين: عندما تدفع الحكومة قدما بمشاريع قانون مناهضة للديمقراطية، وعندما يمارس الكنيست سلوكيات شعبوية وعنيفة ومُخرسة للآخرين، فلا عجب إذا ما فقد الجمهور ثقته بالقيم الديمقراطيّة، وفقد احترامه للمؤسسات التي يفترض فيها أن تمثّل هذه القيم. على هذا النّحو تتولد دائرة سحرية خطيرة يغذّي فيها استهتار السلطة بالمبادئ الديمقراطيّة، والتعامل المتدهور للجمهور مع سلطات الحكم بعضهما البعض. المحصلة هي مساس خطير بمتانة واستقرار النظام الديمقراطي في إسرائيل.

يرتكز النّظام الديمقراطيّ إلى علاقات متبادلة بين المواطنين ومندوبيهم – المباشرين وغير المباشرين- في مؤسّسات الحكم المختلفة. وكي تدار هذه العلاقات على نحو منتظم، ينبغي بالسلطات احترام المواطنين، وذلك من خلال احترام قواعد اللعبة الديمقراطيّة. هذه القواعد هي التي تربط بين المواطنين وبين السلطة. في الوقت ذاته يطلب من المواطنين أن يشعروا بدرجة معيّنة من الثّقة تجاه مؤسسات الدولة. الثقة العالية مطلوبة، لكنّ الثقة العمياء مرفوضة، إذ ثمة ضرورة في النظام الديمقراطي لدرجة معيّنة من التشكيك والنظرة النقدية تجاه سلوكيات النظام.

بالنسبة لمتانة النظام الديمقراطي فثمّة خطورة بالغة في غياب الثقة، وتولّد أحاسيس عدم الانتماء وعدم القدرة على التأثير. هذه الأحاسيس تتجسّد في تراجع الاهتمام الذي يبديه المواطنون بقواعد اللعبة الديمقراطية، وفي نسب مشاركتهم السياسية، وتدفع نحو تصدع شرعيّة طريقة الحكم.

وهذا ما يحصل بالفعل، إذا تُظهر استطلاعات السنوات الأخيرة حصول تراجع كبير في ثقة المواطنين بمؤسّسات الدولة المختلفة، وفي التزامهم تجاهها. على سبيل المثال، أظهرت استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطيّة حصول تراجع كبير في الفترة الواقعة بين عامي 2000-2009 في درجة الثقة التي يوليها الجمهور لمؤسسات وسلطات الحكم ( باستثناء مؤسسة رئاسة الدولة). الدرجة الأدنى للثقة يمنحها الجمهور للكنيست والأحزاب التي يتشكّل منها، وهذه الحقيقة مقلقة للغاية، إذ إنها تعني غياب الثقة بالمؤسسات التي ينتخبها الجمهور على نحو مباشر، والتي يفترض فيها أن تُمثّل مواقفه. في المقابل أظهرت دراسة أجريت في جامعة حيفا حصول تراجع هائل في الثقة التي يمنحها الجمهور للجهاز القضائي، وهو الجهاز الذي يفترض فيه أن يحميه (أي الجمهور) من أذية السلطة. تشير الاستطلاعات كذلك إلى تقلص درجة الاهتمام التي يبديها الجمهور بالسياسة، بما في ذلك تراجع كبير في نسبة المشاركة في الانتخابات؛ وغياب الرضا عن الخدمات التي تقدمها الدولة، والإحساس بأن الفساد السلطوي آخذ بالتنامي.

بغية إيقاف هذا الجرف، وبغية تقوية الديمقراطيّة، فمن واجب سلطات الحكم (وبخاصة الكنيست والحكومة) أن تعود إلى احترام قواعد اللعبة الديمقراطية. وعلى هذه المؤسّسات أن تمتنع عن سن التشريعات التي تضرّ بالديمقراطية وبحقوق المواطنين، وان تدقّق في إجراء عمليات تشريعية سليمة وديمقراطيّة، وان تحترم السلطة القضائية. وعليها في نهاية المطاف أن تُشيع في أروقة السلطة وخارجه جوا ديمقراطيا وتعدّديا، ذلك الذي يشكل مثالا يحتذي فيه مواطنو الدولة.

إرسال رد