يُفترض بالدولة الديمقراطيّة أن تَحترم الاختلاف بين مواطنيها، وأن تحمي حقوق الأقلّيّة. هذه الأمور تكتسب أهمّيّة إضافيّة حين يجري الحديث عن أقلّيّة أصلانيّة تمتلك حقّ المحافظة على هُويّتها وتفرُّدها الثقافيّ. في السنوات الأخيرة، تتعاظم في إسرائيل عمليّة نزع الشرعيّة عن الجمهور العربيّ؛ وما مشاريع القوانين، واختبارات الولاء، والتعامل مع الناشطين والمنتخَبين، إلاّ جزء من سبل انتهاك حرّيّة التعبير والنشاط السياسيّ للمواطنين العرب في إسرائيل، وفي حقّهم باللغة والثقافة.
أحد مبادئ الديمقراطيّة يتمثّل في الدفاع عن الأقلّـيّة من استبداد الأغلبيّة. الدول الديمقراطيّة تعدّديّة هي في جوهرها، وتحترم التبايُن بين مواطنيها، وتمكّن كلّ مجموعة سكّانيّة -إذا رغبت هذه الأخيرة- من المحافظة على هُويّتها وعلى مكوّناتها، بما في ذلك الموروث والثقافة والهُويّة القوميّة. يتوافر في الدولة الديمقراطيّة لكلّ مجموعة أقلّـيّة حقُّ التعبير عن روايتها حول الماضي، ورؤاها حول المستقبل، حتّى لو لم تكن هذه مطابِقة لتلك التي تحملها مجموعة الأغلبيّة. بالإضافة إلى ذلك، الدولة الديمقراطيّة لا تشترط توفير الحقوق لمواطنيها بتصريحات حول الموافقة أو “الولاء” لآراء ووجهات نظر معيّنة. كلّ هذه هي بمثابة مبادئ أساسيّة للنظام الديمقراطيّ الجوهريّ.
تتناقض معاملة دولة إسرائيل للمواطنين العرب مع المبادئ الديمقراطيّة التالية: بالنسبة للكثيرين في صفوف الجمهور اليهوديّ، والكثيرين من منتخبيه، لا يستحقّ المواطن العربيّ في إسرائيل المساواةَ وحمايةَ حقوقه إلاّ إذا تنازل عن هُويّته القوميّة، وحضارته، ولغته، وإرثه التاريخيّ، وأعلن “الولاء” لقيمٍ لا يتّفق وإيّاها.
شكّلت أحداث أكتوبر التي اندلعت قبل عَقد من الزمان تعبيرًا حادًّا بالغ الإيلام عن منظومة العلاقات المعقّدة بين دولة إسرائيل والأقلّـيّة العربيّة في البلاد. قتْل 13 شخصًا -12 منهم هم مواطنون إسرائيليّون، وواحد من سكّان الأراضي المحتلّة-، وحقيقة عدم تقديم أيٍّ من الشرطيِّين المتورّطِين في هذه الأحداث، ولَّدا إحساسًا قاسيًا في صفوف المواطنين العرب بأنّ دماءهم مستباحة، وأضرّا إضرارًا جسيمًا بالثقة الهشّة القائمة بين الأقلّـيّة العربيّة والدولة. شكّلت هذه الأحداث تجسيدًا صعبًا لنتائج التمييز المحتمَلة، وللمساس المتواصل بالأقلّـيّة، وأضافت مزيدًا من الألم والضرر وغياب الثقة إلى منظومة العلاقات بين الدولة والأقلّـيّة العربيّة. هذا الجرح لم يندمل حتّى أيّامنا هذه. من وجهة نظر الجمهور العربيّ، تبيّن له في أكتوبر 2000 أنّ الدولة لن تتردّد في استخدام العنف القاتل تجاه مواطنيها العرب، إذا سلكوا مسلكًا يتعارض مع سياستها.
عانى التحقيق في أحداث أكتوبر الذي أجْرتْه وحدةُ التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحَش) من عيوب ونواقص خطيرة؛ فالعدالة لم تأخذ مجراها، ولم يحاسَب أيّ شخص على أفعاله. عدم تقديم أيّ من المسؤولين عن قتل مواطنين عرب للمحاكمة يعزّز عدم الثقة السائد في العلاقات بين الأقلّـيّة العربيّة والدولة؛ ويضعف مكانة الأقلّـيّة العربيّة، ويدفع نحو استرخاص حياة الفرد العربيّ؛ ويُضعف سلطة القانون في دولة إسرائيل؛ ويلغي شرعيّة الاحتجاج؛ ويشكّل وصمة ستواصل تشويه وجه الديمقراطيّة في إسرائيل.
توصيات لجنة أور- لجنة التحقيق الرسميّة، التي عُيّنت بغية التحقيق في أحداث أكتوبر، مَنحت الدولةَ فرصة تاريخيّة لإعادة تعريف تعاملها مع الأقلّـيّة التي تعيش بين ظهرانَيْها، والاعتراف باحتياجاتها وحقوقها، وتجديد الثقة المتصدّعة، ووضع العلاقات مع الأقلّـيّة العربيّة في مسارها الصحيح. لكن، وبعد مضيّ عشر سنوات على أحداث أكتوبر، يبدو أنّ دولة إسرائيل لم تذوِّت توصيات اللجنة، إذ إنّ تعاملها مع المواطنين العرب آخِذٌ في التدهور.
العامان الأخيران على وجه الخصوص شَهِدا تدهورًا غير مسبوق في تعامل الدولة مع المواطنين العرب، كمشاريع القوانين التمييزيّة، وانتهاك حرّيّة التعبير والعمل السياسيّ، والتفوّهات العنصريّة الصادرة عن شخصيّات جماهيريّة، والمعاملة العدائيّة من قبل الشرطة وجهات تطبيق القانون، وسياسة استعراض العضلات، ومواصلة التمييز ضدّ الجمهور العربيّ في الميزانيّات والموارد. وبجوار هذه الانتهاكات، تتفاقم محاولات إخضاع المواطنين العرب لامتحانات الولاء غير الديمقراطيّة في جوهرها. منذ أكتوبر 2000 حتّى اليوم، قُتل العشرات من المواطنين العرب على أيدي قوات الأمن، ولم يقدَّم المتّهمون في معظم الحالات إلى العدالة، وفي الحالات النادرة التي حصل فيها ذلك، فُرضت على المُدانين أحكامٌ مخفَّفة نسبيًّا لا تعكس خطورة العمل وقدسيّة حياة البشر. كلّ هذه الأمور تُلحِق الضرر بفرصة خلق الثقة بين الدولة والأقلّـيّة العربيّة التي تعيش فيها، وتدفع نحو التصعيد والتطرّف والتشاؤم.
أحدث التدوينات
- الآن وفي الكنيست !!
نحن في ” مشروع ديمقراطية” يهمنا الإشارة الى مثل هذه المبادرات التي تدور في أروقة الحكم واتخاذ القرار، التي تدور في مبنى البرلمان الذي يطلق بنفسه القوانين الفاشية التي تخصي بدورها مجتمعا كاملا وتمنعه عن ممارسة حياته الطبيعية
- ممنوع الدخول!
قبل حوالي عشرة أعوام أرادت عائلة قعدان الانتقال للعيش في بلدة كتسير، في حين رفضت الجمعية التعاونية التابعة لكتسير قبولها بحجّة أن العائلة عربية، وعلى إثر ذلك قدّمت جمعية حقوق المواطن التماسها الى المحكمة العليا ضد هذا النهج العنصري وبدورها حظرت المحكمة التمييز بين المواطنين فيما يتعلق بتضمين الأراضي.
- إنهم يكرهون العرب
فإظهار الكراهية يلقى التشجيع أو عدم الاكتراث حتى من قبل من كان يفترض أن يقفوا أمام الطوفان المعارضة ووسائل الاعلام واجهزة التربية والقانون.
لن يكون من الممكن أن نمحو هذا الضرر الذي يمنحنا اليمين إياه حتى بعد زمن طويل من مغادرته الحكم. يصعب اقتلاع كراهية دُفنت عميقا جدا - عن الأشياء التي ترافقني منذ ذلك الحين
عندما وصلنا إلى الناصرة وشفاعمرو وعرابة وسخنين سألَنا زملاؤنا وأصدقاؤنا: “أين كنتم؟ الرصاص كان يصفر فوق رؤوسنا، الناس قتلوا، وأنتم لم تكونوا هنا معنا”
- تامر نفّار عن الصفعة والتحوّل
تامر نفّار يتحدث عمّا يعنيه أكتوبر بالنسبة له، عن أصدقاء الحمص والعربيّ” الأليف” وعن أكتوبر الذي رأى من خلاله الواقع، فالتمييز لا يبدأ وينتهي بمنع العربيّ من الدخول الى الملهى، إنه أكبر من ذلك بكثير



أحدث التعليقات